سيرة الامير عبد القادر

سيرة الامير عبد القادر

0 تعليق بيع منه: 0

35.00

الكميةمتوفر في المخزون

35.00

الكميةمتوفر في المخزون

أضف الى السلة
إشتري اﻵن

كانت أيامه الأخيرة يغلب عليها الهدوء والبساطة والنظام الدقيق، وكان يستعد للقاء الله عز وجل وينتظر الأجل، ومنذ حجه عام (1862م) وأصبحت حياته تميل إلى الزهد والعبادة والعلم والتعليم ومساعدة الناس.
كان الأمير عبد القادر يستيقظ قبل الشروق بساعتين، وينصرف إلى الصلاة، وتلاوة القرآن والأذكار والتفكر في فقه القدوم على الله عز وجل، ويبقى حتى شروق الشمس، وبعد صلاة الشروق يعود إلى منزله، ويتناول وجبة خفيفة، ثم يعمل في مكتبه حتى الظهر، وأذان الظهر يدفعه إلى المسجد من جديد، حيث يكون تلاميذه قد تجمعوا بانتظار وصوله، فيأخذ مقعداً ويفتح الكتاب الذي اختاره للمناقشة، ويقرأ فيه بصوت عال تقاطعه باستمرار طلبات الإيضاح التي يقدم الأجوبة عليها فاتحاً الكنوز العديدة في الدراسات والأبحاث التي تجمعت لديه طيلة حياته المديدة.
وبعد صلاة العصر يعود عبد القادر إلى منزله حيث يمضي ساعة مع أولاده، مستوضحاً عن النتائج التي حصلوا عليها في دراستهم، ثم يأكل، وعند غروب الشمس يعود من جديد إلى المسجد حيث يدرّس لمدة ساعة ونصف، وتنتهي مهمته كمدرّس لذلك اليوم، ومازالت لديه بعض الساعات يقضيها في المكتبة ثم يذهب ليرتاح.
وكان الأمير عبد القادر دقيقاً أيضاً في إحسانه كل يوم جمعة، كان بالإمكان رؤية الشارع المؤدي إلى منزله مليئاً بالفقراء المجتمعين كالعادة لتوزيع الخبز، وكان الفقراء الذين يموتون مفلسين تماماً ـ ليس في حيه فقط وإنما في دمشق كلها ـ يدفنون على نفقته، ويكفي أن يسمع بمعاناة إنسان ليسعفه فوراً، وكان يكرس بصورة مستمرة جزءاً من ماله للأعمال الخيرية.
استفاد الأمير من ذهابه الأخير إلى الأراضي المقدسة وحج مرتين، وبقي في مكة والمدينة تلك الفترة المتواصلة، واستقبله شريف مكة، وأمر بتخصيص غرفتين له في الحرم، واستفاد من العلماء والعباد، واجتهد في طلب العلم وفي العبادة، وبقي في مكة اثني عشر شهراً متتالية، وصرف كامل وقته للدراسة والصلاة والتأمل والصيام وملاقاة العلماء والزهاد وطلاب الاخرة، ثم بعد ذلك ذهب إلى المدينة، وبقي فيها أربعة أشهر على مقربة من المسجد النبوي، ثم عاد إلى مكة للحج من جديد وكانت تلك الرحلة زاداً روحياً لبقية حياته، حافظ على ذلك حتى أيامه الأخيرة.
1 ـ مرض الأمير عبد القادر ووفاته:
مع تقدم سن الأمير واعتلال صحته خفّ نشاطه وجهده، وعمّت الإشاعات عن حالته الصحية. وذهبت بعض الصحف إلى حد إعلان وفاته عام (1880م)، فرثاه الشاعر محمد إسحاق الأدهمي الطرابلسي، واطلع الأمير على ذلك وكتب يشكره، وكذلك يشكر الجرائد على اهتمامها به وتقديرها له، وكان ذلك مبعث سرور الأمير في نفسه، فقد علم بأنه بعد مماته سوف يكون له ذكر حسن {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ *}.
وأثناء تلك الأيام زاره الأديب التونسي محمد السنوسي، فأكرمه وأحسن ضيافته، وذكر الأديب التونسي جزءاً من سيرته ومرضه بعد ذلك في كتابه الرحلة الحجازية.
وفي بداية شهر (ماي 1883م) وكان معتكفاً بمصيف «دُمَّر» في داره يتهجد ويتبتل لربه، اشتد عليه مرض المثانة وحصر البول، فزاده الضعف والهرم، وفي منتصف ليلة (السبت 26 ماي 1883م) دعاه مولاه، وقبضت روحه، وحان أجله، وغسله نزيله وضيفه، الشيخ عبد الرحمن عليش الأزهري، وفي الصباح نقل في عربة من قصره في دمر إلى داره في الشام وصلِّي عليه في المسجد الأموي في مشهد قلّ نظيره، وخرج لتشييعه جمع كثير وغفير ، مع الخضوع والتذلل ، وشيَّعته دمشق عاصمة الأمويين في موكب مهيب ، وبدموع وقصائد رثاء سطرت بمداد مضيء، وكتبت مقالات جاءت لتكون اعترافاً بمكانته النضالية والفقهية والإنسانية، وتكريماً لهذا البطل من الله عز وجل على لسان سكان هذا الكوكب.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *}[ النحل: 41].
ودفن في الصالحية من دمشق أسفل جبل قاسيون بحي المهاجرين.

المراجعات

لا توجد مراجعات بعد.

كن أول من يقيم “سيرة الامير عبد القادر”

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *